ابن قيم الجوزية
213
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
من الحيوان ؟ ! وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقا له ؟ وأين نظير هذا في القرآن ؟ وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه ، ذكره بأدلّ عبارة عليه وأوضحها فقال وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 45 ) [ النجم ] . فحمل قوله : أعطى كل شيء خلقه ، على هذا المعنى ، غير صحيح فتأمله . وفي الآية قول آخر ، قاله الضحاك ، قال : أعطى كل شيء خلقه : أعطى اليد البطش والرجل المشي واللسان النطق والعين البصر والأذن السمع ، ومعنى هذا القول : أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له ، والخلق على هذا بمعنى المفعول ، أي : أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له ، فإن هذه المعاني كلها مخلوقة للّه ، أودعها الأعضاء ، وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه ، لكن معنى الآية أعم . والقول هو الأول ، وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به ، ثم هداه لما خلق له ، ولا خالق سواه سبحانه ، ولا هادي غيره . فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته ، فهذا وجه الاستدلال على عدو اللّه فرعون ، ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة ، لا مطعن فيها بوجه من الوجوه ، عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال : فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ( 51 ) [ طه ] أي : فما للقرون الأولى ، لم تقرّ بهذا الرب ، ولم تعبده بل عبدت الأوثان ؟ والمعنى : لو كان ما تقوله حقا ، لم يخف على القرون الأولى ، ولم يهملوه ، فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين ، فعارضه عدوّ اللّه بكفر الكافرين به وشرك المشركين ، وهذا شأن كلّ مبطل ، ولهذا صار هذا ميزانا في ورثته ، يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة والملاحدة وأفراخ الفلاسفة والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال